قبل 30 أيلول.. معركة السلاح تنتقل من الميدان إلى الشاشة

لم تنتظر معركة حصر السلاح في العراق حلول موعد 30 أيلول/سبتمبر حتى تبدأ.
قبل أسابيع من انتهاء المهلة الحكومية، انتقلت المواجهة مبكراً إلى الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، وتحول إعلان قصير بثته قناة العراقية تحت شعار "من السلاح إلى الحياة" إلى شرارة لمعركة إعلامية وسياسية، اختلط فيها الدفاع عن السلاح بالنقد المهني للإعلان، واستُدعي إليها حتى أرشيف قادة الفصائل ومواقفهم القديمة.
الإعلان الحكومي حاول تبسيط واحدة من أكثر القضايا العراقية تعقيداً: سلاح خارج سيطرة الدولة، وحكومة تقول إن موعد حسمه يقترب. وجاءت رسالته في سياق مهلة تنتهي في 30 أيلول، يفترض بعدها أن يدخل ملف السلاح مرحلة مختلفة، في وقت يرتبط فيه هذا الملف أيضاً بعلاقة بعض الفصائل بإيران وبمخاوف بغداد من استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية أو في عمليات تستهدف دول الخليج.
لكن الإعلان لم يمر بهدوء.
خلال ساعات، بدأت تظهر على منصات التواصل مواد مضادة، بعضها يتعامل مع رسالة الحكومة بصورة مباشرة، وبعضها يستخدم السخرية والرياضة والموروث الشعبي لإنتاج خطاب معاكس.
في أحد المقاطع، تتحول كرة القدم إلى وسيلة للرد على فكرة تسليم السلاح، تحت رسالة صريحة مفادها "السلاح ما نسلّم". وبدلاً من الثنائية التي حاول الإعلان الحكومي بناءها بين "السلاح" و"الحياة"، يقدم الفيديو المضاد صورة تقول إن ممارسة الحياة الطبيعية، وحتى الرياضة، لا تعني بالضرورة التخلي عن السلاح.
وفي نموذج آخر، دخلت السخرية الشعبية على الخط، إذ جرى الرد على الإعلان بدعوة القائمين عليه إلى "وجبة أكل مفطح"، في محاولة لنقل القضية من مساحة النقاش السياسي والأمني إلى مساحة التهكم، وتحويل الحملة الحكومية نفسها إلى مادة قابلة للسخرية والتداول.
الحملة المضادة لم تتوقف عند إنتاج مقاطع جديدة.
فقد أعيد تداول تسجيلات قديمة للأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي، يظهر فيها مدافعاً عن السلاح ومواقفه السابقة تجاهه، في خطوة تبدو كأنها رسالة موجهة إلى الخزعلي نفسه بعد مواقف أكثر قبولاً بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
وهنا تأخذ المعركة بعداً آخر.
فإعادة فتح أرشيف قادة الفصائل لا تستهدف الحكومة فقط، وإنما تمارس ضغطاً داخل البيئة المسلحة نفسها، عبر تذكير من يقترب من خيار تسليم السلاح أو حصره بالدولة بما كان يقوله في مراحل سابقة.
لكن خصوم حصر السلاح لم يكونوا وحدهم من انتقد الإعلان.
ففي الجهة المقابلة، ظهر نقد مدني ومهني من شخصيات تؤيد أساساً حصر السلاح بيد الدولة، لكنها اعترضت على الطريقة التي صوّر بها الإعلان المرأة والأم.
وزير الموارد المائية والخارجية الأسبق حسن الجنابي كتب أن الترويج لحصر السلاح بيد الدولة "أمر مشروع وسياسياً بالغ الأهمية"، لكنه وصف المقطع الذي بثته العراقية بأنه غير موفق، بسبب تحميل الأم مسؤولية عدم تسليم ابنها سلاحه، ثم تقديم الزوج في مشهد عنيف تجاهها.
وهذا الاعتراض يضع خطاً فاصلاً مهماً بين نقد مبدأ الحملة ونقد أدواتها.
فالإعلان الذي أراد أن يقدم السلاح بوصفه نقيضاً للحياة، انتهى به الأمر إلى فتح نقاش آخر عن صورة المرأة في الخطاب الحكومي، وعن مدى ملاءمة استخدام العنف الأسري أو تحميل الأم المسؤولية كأداة لإيصال رسالة سياسية.
الجدل وصل أيضاً إلى داخل شبكة الإعلام العراقي نفسها.
فبعد بث الإعلان، أصدر مجلس أمناء الشبكة توجيهاً يقضي بإخضاع جميع الفواصل الإعلانية، أياً كان مصدرها، للفحص والمراجعة من الإدارة العليا ولجان مختصة قبل عرضها، لضمان خلوها من أخطاء أو صياغات قد تترك مجالاً لتفسيرات غير مقصودة.
واللافت أن البيان شدد في الوقت نفسه على دعم البرنامج الحكومي المعلن، ما يعني أن الاعتراض داخل الشبكة لم يكن على حصر السلاح، وإنما على طريقة تقديم الرسالة إعلامياً.
وهكذا، وجد الإعلان الحكومي نفسه بين جبهتين مختلفتين تماماً: جبهة تحاول إسقاط رسالته السياسية والدفاع عن بقاء السلاح، وجبهة أخرى تؤيد حصر السلاح لكنها تعترض على اللغة والصورة التي اختارتها الحكومة للترويج له.
ومع اقتراب 30 أيلول، يبدو أن المعركة الحقيقية بدأت قبل الموعد.
فالحكومة تحاول بناء رأي عام يرى في حصر السلاح انتقالاً "من السلاح إلى الحياة"، بينما تعمل بيئات مؤيدة للفصائل على بناء سردية مضادة تقول إن التخلي عن السلاح ليس شرطاً للحياة ولا للاستقرار، بل وقد يمثل، في نظرها، تنازلاً عن قوة اكتسبتها خلال سنوات طويلة.
وبين الروايتين تقف قضية أكبر: من يملك حق تعريف السلاح في العراق؟
هل هو أداة دولة لا يجوز أن تكون خارج مؤسساتها، أم جزء من معادلة سياسية وأمنية ترى بعض القوى أنها ما تزال بحاجة إليه؟
الجواب لن تصنعه الإعلانات وحدها.
لكن ما يجري على الشاشات اليوم يكشف أن الطريق إلى 30 أيلول لن يكون مجرد عملية تسليم أسلحة، بل معركة على الشرعية والذاكرة والرأي العام، وربما على مستقبل العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة نفسها.


تعليقات